الشيخ محمد رشيد رضا
593
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أن يكل شيئا منها إلى غيره ، ولما كان من المعلوم من الشرع والطبع والعقل بالضرورة أن للانسان كسبا اختياريا كلفه اللّه العمل به وأن يؤمن بأنه يجازى على عمله ان خيرا فخير وان شرا فشر - وجب على الانسان أن يسعى في تدبير أمور نفسه بحسب ما علمه من سنن اللّه تعالى في نظام الأسباب وارتباطها بالمسببات معتقدا أن الأسباب ما يعقل منها كالانسان وما لا يعقل لم تكن أسبابا الا بتسخير اللّه تعالى ، وأن ما يناله باستعمالها فهو من فضل ربه الذي سخرها وجعلها أسبابا وعلمه ذلك . وأما ما لا يعرف له سبب يطلب به فالمؤمن يتوكل فيه على اللّه وحده واليه يتوجه وإياه يدعو فيما يطلبه منه ، وأما ترك الأسباب وتنكب سنن اللّه تعالى في الخلق وتسمية ذلك توكلا فهو جهل باللّه وجهل بدينه وجهل بسننه التي أخبرنا بأنها لا تتبدل ولا تتحول . ومثله فيه كمثل من أمره ملكه أو مالكه بأن يعول في طعامه وشرابه وسائر حاجه عليه ولا يطلب من غيره شيئا ، وكان ذلك الملك أو المالك قد أعد له ولا مثاله كل يوم مائدة لطعامهم وشرابهم فتنطع هو وامتنع عن الاختلاف إلى المائدة مع أمثاله زاعما أن هذا عصيان لامر الملك في التعويل عليه وانتظر أن يرسل اليه طعاما خاصا - أي أنه يطلب من ربه أن يبطل سننه في خلقه لأجله - فما أعظم جهله وغروره به ؟ وقد تقدم تحقيق معنى التوكل مع بسط القول فيه وكونه يستلزم الاخذ بالأسباب في تفسير ( 3 : 160 وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) من سورة آل عمران فيراجع في ص 207 - 214 وسيأتي التذكير ببعضه في الكلام على توكل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من تفسير هذه السورة ( الأنفال ) * * * ( الصفة الرابعة ) قوله تعالى الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ تقدم تفسير هذه الجملة في أول سورة البقرة وفي تفسير ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) منها ، وفي تفسير آيات أخرى في معناها ، وملخصها ان إقامة الصلاة عبارة عن أدائها مقومة كاملة في صورتها وأركانها الظاهرة من قيام وركوع وسجود وقراءة وذكر ، وفي معناها وروحها الباطنة من خشوع وحضور في مناجاة الرحمن ، وتدبر واتعاظ بتلاوة القرآن ، وتقدم ان